|
ألقى
أحد كبار المستشرقين الألمان محاضرة في الكويت عن
رحلة الحاج علي العلواني إلى الديار المقدسة ثم
سفره إلى العراق ومروره بالكويت على أعتبارها من
أقدم المصادر القديمة التي أتت على ذكر الكويت وقد
ذكر المحاضر أن صاحب هذه الرحلة هو أحد أحفاد
الشيخ علوان الحموي الحسيني ووصفه بالتجديد
والإصلاح
ولعل الباحث المتعمق
المتوفر على دراسة أشعاره ومؤلفاته الكثيرة يجد
لديه نسقا فكريا واضحا مستمدا من الكتاب
والسنةفهذه هي قصيدته الموسومة بالجوهر المحبوك في
نظم السلوك تشكل نسقا أخلاقيا إسلاميا رفيعا
مستمدا من الدين ومكارم الأخلاق وتقع هذه القصيدة
في حدود ثمانين صفحة مخطوطة تتألف من مقدمة وفصول
وتبين المق دمة الأسباب التي دعت الشيخ لنظمها
وتدريسها على المريدين وتعميمها على الناس تبدأهذه
القصيدة بالتضرع والتذلل إلى الله رب العالمين
فيقول بعد البسملة
|
وبعـد إنـــي كــئيب القلـب ذو حــــزن |
|
لـمـــاتـــــراكــــم من ظلـــــم ومـن
ظلــم |
|
الله أكبـــر مـــــن خطــــب ألــــــم بنـا
|
|
فـــي قرننــا العاشـــر المشحون بالغمم |
|
أنعي إلى المصطفى
المختار شرعته |
|
كـــــــادت
تــــــــؤول مــــن التبديـل للعدم |
وأيضا قال في فيها :
|
طم الفساد وعم الفســق
وانحرفت |
|
أعنــــــة العــــــزم
في منهاج ذي العلم |
|
صلاتنــا ضيعت ،
زكـــــــاتنــــا منعـــت
|
|
وحيــــــل بيــــــن
وفـــــود البيت والحرم |
|
سل المساجد ماذا حل
بساحتهــــــا |
|
مـــــــن
المناكــــــر والآثـــــــار و اللـمم |
|
صــــــارت مـواطن ظلم
يأخذون بهـــا |
|
مـــــال اليتيــــم
ومســـــكين وذي رحم |
وهي
مقدمة طويلة ذكر فيه أنواع الظلم وصنوف الفساد وشتى
المخالفات الشرعية المرتكبة مع التنديد فيها وذم
مرتكبيها وبيان أثارها في فساد المجتمع وانحرافه
وترديه في حماة مثل تفشي الجهل والتخلف والتدهور وبعد أن
انتهى
من المقدمة أوصى المسلم أن يتبع توصياته المستمدة من
أداب الاسلام وفضائل السلوك ويبني قصيدته
المطولة هذه
على فصول كثيرة يبدأها بباب طريقة السلوك ثم باب
التوبة ويمضي في ذلك ليخصص فصلا في أداب
الأكل وأداب
الضيف وباب في الإستئذان وغيرها كثير .........
وللشيخ علوان منظومات شعرية ومقطوعات متناثرة في
تآليفه وهي تزخر بالنقد الإجتماعي ، وقد يرصد فيها بعض
الحوادث المعينة التي وقعت في حماه كما في الجوهر
المحبوك في نظم السلوك أو يصور لنا تجربته مع الناس
ولقد أنشد كثيرا من شعره في شرحه لتائية ابن حبيب
الصفدي من ذلك قوله :

|
لقد جـــربت هــــذا الخلـــق
حتـــــــــــى |
|
علانـــــي الشيب قبل مجــيء حينـــــه |
|
فلــــم أصحــــب فتــــــى لصــــلاح ديــــن
|
|
فألقـــــــــاه يــــروم صــــــــلاح
دينــــــه |
|
نــــعــــــــم ........... يأتــي لجـــاه
أو لمـال |
|
فيطلعنـــي الإلــــــه علـــــتى دفينــــــه |
|
فــــأخبــــره وأكشــــــف منــــــه
زيفـــــــا |
|
أراه
قـــــــد تــــــرشح مــــــن جبينـــــه |
وانتقد الشيخ علوان خروج
العامة من الناس عن قواعد السلوك الديني، وما ينبت ذلك
من انحلال في العقيدة وانحراف عن الخلق الكريم ولقد
أحسن الشيخ علوان عندما قدم صورة متكاملة عن أعراس
زمانه إستفاد منها المؤرخين غير قاصد وصفها وانما جاء
بها في سياق حديثه عن أنواع البدع التي سادت عصره
وتداولها الناس ، وهم يجهلون حقيقة معارضتها
لأحكام الكتاب والسنة ، فانتقد تلك المخالفات التي
تسربت إلى القوم ، وانعكست على أقوالهم وتصرفاتهم ، بل
وتغلغلت في صميم حياتهم ففي كتابه ( نسمات الأسحار في
كرامات الأولياء والأخيار )نص مثير يشتمل على مراحل
الزواج والبدع التي سادت فيه مثل التباهي والبذخ
وتكليف الفقير بالولائم ودعوة ذو الجاه والمال و
إهمال الفقراء والأيتام والأرامل والمساكين بقصد المفاخرة والمباهاة وغيرها
من المفاسد ، وقد ساعد ذلك الدارسين
على تبيان شكل من أشكال التقاليد الاجتماعية السائدة
في بلاد الشام منذ ست قرون وللشيخ علوان موقف مناهض لعسف
الرجل بالمرأة وهذا الموقف يعتبر متقدما في عصر
موقفه من الظلم :
للشيخ علوان قصيدة مطولة يفضح
فيها مخازي حكم قانصوه الغوري سلطان المماليك ، ويكشف
عن أنواع المظالم التي كانت سائدة في عصره فقد جاء في
مؤلفه (فتح اللطيف...)
وله أحكام بالنظر حيث حرم
حضور مجالس الظالم وحتى
النظر إليه كما ورد في
(عرائس الغُرَر وغرائس الفكَرِ في أحكام النظر)
|
وكنـا نود العدل لو كان
ظاهرا |
|
بدولة من
ولي على الشام مع مصر
|
|
فما هو
الا الظلم زاد
مضاعفا |
|
على
العادة الشنعاء في زمن الغوري
|
وعندما
انصرم حكم قانصوه الغوري وجاء العثمانيون بخيلهم
ورجالهم ، لم يجد عندهم ما افتقده لدى غيرهم من عدل ، فنجده
ينطوي على نفسه يعزف أنشودة اليأس والألم على أوتار
قلبه الحزين فيقول كما جاء في كتابه (كشف الرين)
|
ظننت بأن العــدل تطلــع
شمسه |
|
فيشرق فـــــي
الأقطــــــار نور بهائها |
|
فزاد ظلام الظلم في كـــــل
بلدة |
|
فلم يبـــــق الا الصبـر تحت قضـائهــــا |
|
أيا غربة الاسلام في
قرن عاشر |
|
ومن
لغـــــــريب
الــــــــــدار رحمــــائها |
كما
إنتقد الشيخ علوان حكم السلطان العثماني سليم الأول
وخاطبه بقوله:
|
يـــــا أيهــا الملك المؤمـــر
قــــــــادة |
|
حـــــــادوا عـــن
التنزيــل و القـــرأن |
|
هــــــلا كشفت عــن البلاد
بـكاشــف |
|
مــــاحل مــــن
جـــور ومـن عــــدوان |
|
كــــانت نفوس الخلـق تـرجـو
عدلكم |
|
واليـوم قــــد
يئست مـــــن الاحسان |
|
أأمنت رب العرش يسلبك
الــــــــذي |
|
قـد نلت مــــن
عـــز ومــــن ســلطان |
|
الملك لايبقـــــى لـــــــذي ظلـم
وقد |
|
يبقى على
طــــــول لـــــذي كفــران
|
وقدأنكر الشيخ
علوان على ولاة الأمر في عصره عنفهم وتعسفهم في ايذاء
الناس كاغتصاب دوابهم ، وتوقيع العقوبات البدنية
والنفسية ، كما أنكر هجوم الطارقين من العسكر على بيوت
الرعية ، وكان يعد من المنكرات مايؤخذ من القرى
والفلاحين ظلما ، يسمونه تارة حماية ، وتارة حوطه على
قانون الآمر الجائر ومع
إنتقاد الشيخ علوان رحمه الله للحكام لم ينس تقديم
النصيحة لهم ، من خلال كتابه " النصائح المهمة للملوك
والأئمة " ، كما كان له شفاعات عن مظالم
وقد نقشت إحدى الشفاعات على أحد أعمدة الجامع الكبير بحماه للشيخ تحت قبة الخزنة شفاعة ( في العفو عن جعالة ختن )
في عهد الكافل السيفي خاير بن عبدالله الأشرفي في سنة
918 هـ بحضور قاضي القضاة وأكابر الدولة الخاص والعام
وقد ورد اسم الشيخ علوان في النقش الحجري منعوتا بـ (
الشيخ الصالح الزاهد المبارك علاء الدين الشهير بعلوان
) كما في الصورة
. وكانت حماه أنذاك تعاني من فداحة الرسوم المفروضة
على سكانها من قبل المماليك كما كانت عرضة لسنوات
الغلاء المتعاقبة

وقد أثارت
قصائد الشيخ علوان وكتبه اهتمام معاصريه وممن جاء بعدهم ،
فحفظوها وخمسوا بعضا منها كما سوف يأتي معنا وربما
شرحوها وبخاصة ماكان له علاقة بالتصوف منها شرح ذكره
صاحب خلاصة الأثر للشيخ نجم الدين الغزي 977 هـ اسمه "
الهمع الهتان في شرح أبيات الشيخ علوان "
عاش الشيخ
علوان ثلاثا وستين سنة فقد توفي سنة 936 وبينما هو
يقوم بالصلاة سلم روحه الطاهرة لخالقة
ودفن في حماه في زاوية تحمل اسمه في محلة العليليات وأمامها
قنطرة تعلوها كتابة شعرية تشير إلى مقامه الكريم وتاريخ
وفاته وذلك في عهد
السلطان سليمان القانوني ويذكر( صاحب الكواكب السائرة) بأنه صلى
الناس عليه صلاة
الغائب في الجامع الأموي الكبير في دمشق وعندما
عرض خطيب الجامع الأموي على ذكره فانتحب الناس بالبكاء
عليه وكان له كرامات مذكورة ومعروفة

|
هذا مقــــام
قــــــدوة
الأولياء |
|
علوان قطب
الســــــادة العارفين |
|
قد شاده المحمود مـــــن
آلــه |
|
بابا عظيـــــــــم
الأنس للـــداخلين |
|
ياتاليا تــــــــاريخه بالهـــــــدى
|
|
انا فتحنــــــــا
لك فتحــــــــــا مبينا |
|